محمد بن جرير الطبري

5

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وقوله : كلا يقول تعالى ذكره : ما الامر كما يزعم هؤلاء المشركون الذين ينكرون بعث الله إياهم أحياء بعد مماتهم ، وتوعدهم جل ثناؤه على هذا القول منهم ، فقال : سيعلمون يقول : سيعلم هؤلاء الكفار المنكرون وعيد الله أعداءه ، ما الله فاعل بهم يوم القيامة ، ثم أكد الوعيد بتكرير آخر ، فقال : ما الامر كما يزعمون من أن الله غير محييهم بعد مماتهم ، ولا معاقبهم على كفرهم به ، سيعلمون أن القول غير ما قالوا إذا لقوا الله ، وأفضوا إلى ما قدموا من سيئ أعمالهم . وذكر عن الضحاك بن مزاحم في ذلك ما : 27893 - حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن أبي سنان ، عن ثابت ، عن الضحاك كلا سيعلمون الكفار ثم كلا سيعلمون المؤمنون ، وكذلك كان يقرؤها . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ألم نجعل الأرض مهادا * والجبال أوتادا * وخلقناكم أزواجا * وجعلنا نومكم سباتا * وجعلنا الليل لباسا * وجعلنا النهار معاشا ) * . يقول تعالى ذكره معددا على هؤلاء المشركين نعمه وأياديه عندهم ، وإحسانه إليهم ، وكفرانهم ما أنعم به عليهم ، ومتوعدهم بما أعد لهم عند ورودهم عليه ، من صنوف عقابه ، وأليم عذابه ، فقال لهم : ألم نجعل الأرض لكم مهادا تمتهدونها وتفترشونها . 27894 - حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سعيد ، عن قتادة ألم نجعل الأرض مهادا : أي بساطا والجبال أوتادا يقول : والجبال للأرض أوتادا أن تميد بكم وخلقناكم أزواجا ذكرانا وإناثا ، وطوالا وقصارا ، أو ذوي دمامة وجمال ، مثل قوله : الذين ظلموا وأزواجهم يعني به : صيرناهم . وجعلنا نومكم سباتا يقول : وجعلنا نومكم لكم راحة ودعة ، تهدأون به وتسكنون ، كأنكم أموات لا تشعرون ، وأنتم أحياء لم تفارقكم الأرواح والسبت والسبات : هو السكون ، ولذلك سمي السبت سبتا ، لأنه يوم راحة ودعة . وجعلنا الليل لباسا يقول تعالى ذكره : وجعلنا الليل لكم غشاء يتغشاكم سواده ، وتغطيكم ظلمته ، كما يغطي الثوب لابسه ، لتسكنوا فيه عن التصرف لما كنتم تتصرفون له نهارا ومنه قول الشاعر :